- بين "جثث" أبو عيطة و"موظفي" الجلاد و"سكرتارية" الزاهد.. القصة الكاملة لدهس الكفاءة بقطار "أهل الثقة"
- مجدي الجلاد: نحن في زمن "كبير الموظفين".. والوزير لا يملك "إشارة خضراء" لاتخاذ قرار استراتيجي واحد
- مدحت الزاهد في مواجهة "دولة التكنوقراط": الوزراء تحولوا لـ "سكرتارية تنفيذية".. والسياسات الاقتصادية تفخخ الواقع بـ "انفجارات اجتماعية" مؤجلة..
- كمال أبو عيطة يفتح "الصندوق الأسود" لتشكيل الحكومات: نحن لا نختار وزراء بل "جثثاً" تنفذ الأوامر.. والسلطة استبدلت "أهل الثقة" بـ "أهل السمع والطاعة"
- نجاد البرعي: نظامنا السياسي هو "الأصدق" لأنه لا يخفي شيئاً.. والسلطة التنفيذية "وريثة القصر" في الهيمنة على البرلمان والأحزاب
في كل مرة يعلن فيها عن تعديل وزاري.. تبدو العملية وكأنها إجراء إداري منظم.. رئيس يكلف وحكومة تتشكل وبرلمان يمنح الثقة.. تتصدر السير الذاتية المشهد.. ويبدأ الحديث عن الكفاءة والخبرة والتطوير.. لكن خلف هذه الصورة الرسمية يظل سؤال أكثر حساسية حاضرا في الهامش.. كيف صنعت هذه القائمة أصلا؟
من اقترح هذه الأسماء؟
من استبعد غيرها؟
وهل تمر الترشيحات بمراحل غير معلنة قبل أن تصل إلى قرار التكليف؟
النص الدستوري واضح.. لكن التجربة السياسية المصرية منذ 1952 تكشف أن تشكيل الحكومات لم يكن يوما مجرد خطوة إجرائية، بل كان انعكاسا مباشرا لطبيعة السلطة وتوازناتها... فالحكومة ليست فقط فريقا إداريا بل أداة تنفيذ لخيارات سياسية كبرى.. تتغير بتغير المرحلة لكنها تظل محكومة بسؤال جوهري.. من يملك القرار النهائي؟
ومنذ لحظة 1952 حين ألغيت الملكية وبدأ مشروع بناء الدولة الجمهورية الحديثة لم يعد تشكيل الحكومة مسألة توازنات برلمانية تقليدية كما كان في العهد الليبرالي.. بل أصبح جزءا من إعادة صياغة مركز السلطة ذاته.. صعدت الدولة المركزية بقوة وتراجع دور الأحزاب.. وأصبح الوزير جزءا من مشروع سياسي يقوده رأس السلطة مباشرة في إطار تصور أوسع لدولة تتولى قيادة الاقتصاد والمجتمع معا...

في الستينيات كان الوزير جزءا من مشروع أيديولوجي واضح المعالم.. في السبعينيات دخل الاقتصاد بقوة إلى معادلة الاختيار.. في عهد مبارك تعقد المشهد بين حسابات الحزب والأمن ورجال الأعمال.. وبعد 2013 عادت مركزية القرار بقوة مع صعود وزراء ذوي خلفيات تنفيذية وتكنوقراطية في ظل أولوية أمنية معلنة..
لكن هل تغيرت المعايير فعلا؟
هل أصبحت الكفاءة وحدها كافية للوصول إلى مقعد الوزارة؟
أم أن الانسجام مع توجه الدولة ظل شرطا ثابتا عبر المراحل المختلفة وإن تغيرت صياغته؟
هذا التحقيق لا ينشغل بأسماء بعينها بقدر ما ينشغل بالقواعد غير المكتوبة التي تحكم الاختيار نفسه.. كيف تمر الأسماء داخل مؤسسات الدولة؟ هل تخضع لتقييمات أمنية؟ ما حدود الدور الحزبي؟ أين يقف البرلمان بين النص الدستوري والواقع العملي؟ ومتى تتحول الإقالة من إجراء إداري إلى رسالة سياسية؟
بين الكفاءة والولاء.. بين الثقة والانضباط وبين الطموح الفردي وحدود النظام .. نحاول الاقتراب من واحدة من أكثر المناطق غموضا في السياسة المصرية.. غرف صناعة الوزراء..
هل تبدلت القواعد عبر العقود؟ أم تبدلت فقط الوجوه، بينما ظلت المعادلة الأساسية ثابتة؟

(أبو عيطة: عصر الوزراء "الجثث")
- من مقعد "الوزير الذي استقال" ومن خندق "المناضل الذي لم يتلون".. يقدم كمال أبو عيطة شهادة للتاريخ حول كواليس إدارة الدولة المصرية.. يرى أبو عيطة أن مصر انتقلت من زمن "الوزراء العظام" الذين بنوا الدولة بتكليف من "الأغلبية"، إلى زمن "الموظفين" الذين يديرون مصالح "الأقلية" من كبار رجال الأعمال، محذراً من أن "الانفجار القادم" لن توقفه الحلول الأمنية..
- عصر العمالقة مقابل عصر "الجثث السياسية".. يقارن أبو عيطة بين معايير الاختيار في عهد عبد الناصر والوضع الحالي.. قائلاً: "قديما كانت الكفاءة والخبرة هي المعيار وشهدنا وزراء شبابا في الثلاثينيات مثل ( محمود فوزي ونورالدين طراف و ثروت عكاشة و فؤاد مرسي و اسماعيل صبري عبدالله و محمد حسن الزيات وكمال رمزي استينو وعبدالمنعم القيسوني و لبيب شقير و محمد فايق و الشيخ شلتوت وعزيز صدقي والنبوي المهندس وعائشة راتب) .. لم يكونوا أقارب للسلطة بل كانوا نتاج قاعدة بيانات وطنية وانحياز كامل للأغلبية الكادحة… أما اليوم، فقد أدارت السلطة ظهرها للشعب وانحازت فقط للمستثمرين وأصحاب الثروات.. فأصبح المعيار هو اختيار من يحمي مصالح هذه الطبقة على حساب التصنيع والإنتاج.."
شهادة من الداخل: "كنت منفذا لا شريكا"
يكشف أبو عيطة لأول مرة عن كواليس دخوله وخروجه من السلطة، مؤكدا أنه لم يسع للمنصب يوماً: "رفضت عرضاً بالوزارة في أعقاب ثورة يناير لأن رئيس الحكومة وقتها (الفريق شفيق) كان أحد أعمدة نظام مبارك. وبعد 30 يونيو، قبلت المهمة كـ 'تطعيم' وطني للمجلس، لكن قيل لي بوضوح: (أنت اللي هتعمل الكلام ده وتنفذه).. وعندما حاولت التنفيذ، واجهت إعاقات هائلة، ومع ذلك انتزعت الحد الأدنى والأقصى للأجور.. انتزاعا من مجلس الوزراء.. قدمت استقالتي فور إتمام الملفات الكبرى لكنها رفضت في وقتها.. والحقيقة أن التعديلات اللاحقة أطاحت بكل من له صلة بالثورات، وأصبح المجلس خالياً من أي روح تنتمي لـ 23 يوليو أو 25 يناير أو 30 يونيو."..
قاعدة "اكتب ما يملى عليك.. قتل الإبداع والقرار.
يوصف أبو عيطة مهام الوزير الحالي بجملة واحدة قاسية: "المعادلة الآن هي (الالتزام بقاعدة اكتب ما يملى عليك).. فالوزير اليوم لا يملك حتى سلطة نقل موظف من مكتبه.. وغير مسموح له أن يستخدم علمه أو خبرته إذا تعارضت مع الأوامر الصادرة إليه.. نحن أمام "جثث" تجلس على مقاعد المسؤولية.. تتحرك وتغادر بالأمر، وهو ما يقتل أي إمكانية للإبداع أو التطور في هذا البلد..
ثورات تم الغدر بها.. ومن يمثلها "خلف القضبان"..
يتحدث أبو عيطة بمرارة عن مصير المنتمين لثورتي 25 يناير و30 يونيو داخل تشكيل الحكومات: "في البداية، كان هناك تطعيم للمجالس الوزارية بعناصر وطنية مشهود لها، لكن سرعان ما تمت الإطاحة بكل من له علاقة بالثورة.أصبح المجلس الآن خاليا من أي روح تنتمي لـ 19 أو 52 أو يناير أو يونيو.. بل وصل الأمر لاعتبار هذه الثورات جرائم يحبس منتموها، ويهان فيها أهالي الشهداء والمصابين في مكاتب الموظفين العموميين...
فضيحة "الشهادات المضروبة" وغياب المعايير
وحول أزمة وزير التربية والتعليم.. يقول أبو عيطة: حين يثبت بالمستندات في المحاكم أن وزير التربية والتعليم لا يحمل مؤهلات من الجامعات التي ادعى الانتماء إليها، ثم يبقى في منصبه.. فهذه رسالة كارثية للأجيال بأن (الشهادة المضروبة) هي طريق الوصول.. الاهتمام الآن ليس بالسمعة الطيبة أو البراءة بل بالولاء الأعمى، حتى لو كان الوزير مدانا بأحكام قضائية...
الاقتصاد والديون: تصفية لمقدرات الشعب
يسجل أبو عيطة اعتراضه الصارخ على السياسات المالية.. سياسات الاقتراض المتوحشة تلتهم بنود الأجور والدعم والاستثمار لسداد خدمة الدين.. ما يحدث هو مسلسل تصفية لبيع مقدرات الشعب التي بنيناها بعرق السنين، مثل 'الحديد والصلب' الذي وصف بأنه (ما يسواش تلاتة تعريفة) بينما بيعت خردته بمليارات.. هذه السياسات لن تتغير برحيل 'مدبولي' وجماعته ما دامت الفلسفة واحدة..
يختتم أبو عيطة حديثه بصرخة تحذير من الاعتماد الكلي على المؤسسة الأمنية: الغياب الكلي للسياسة والاعتماد المفرط على الأمن سيؤدي حتما إلى نتائج تشبه 25 يناير و30 يونيو، لكنها هذه المرة ستكون أشد وأعنف.. الناس وصلت لآخرها والمنهج الأمني في حبس أصحاب الرأي لن يجدي نفعا أمام الانفجارات الاجتماعية المتوقعة.. الناس هي الدولة، والسلطة الحالية تحكم باسم الأقلية فقط...

(مجدي الجلاد : ضياع هوية الوزير)
يضع الكاتب الصحفي مجدي الجلاد يده على الجروح الغائرة في جسد الإدارة المصرية... بوضوح لا ينقصه الدهاء الصحفي يفرق الجلاد بين "رفاق" ناصر.. و"تكنوقراط" السيسي.. كاشفا عن تحول منصب الوزير من "رجل دولة" يملك وعيا وخيالا سياسيا.. إلى "منفذ" ينتظر الإشارة الخضراء في مشهد تسيطر عليه "الهندسة السياسية"..
يستهل الجلاد حديثه بتشخيص الفارق الجوهري بين الحقب الماضية والآن.. مؤكدا أن معايير الاختيار في العقد الأخير أصبحت "أكثر سلاسة" لكنها أقل وزنا.. ويقول: اذا كان جمال عبد الناصر قد اختار وزراءه من دائرة رفاق حركة يوليو والضباط الأحرار.. فإن هذا النموذج (الوزير الشريك) لم يتحقق إلا في عهده فقط.. اليوم، نحن أمام تحول جذري فالوزير لم يعد شريكا ولا حتى سياسيا خرج من ماكينة الحركة الوطنية.. بل هو (أداة تنفيذ) لاستراتيجيات توضع وتخطط في مؤسسات أخرى بالدولة.. باختصار، نحن أمام نموذج يقترب من فكرة (كبير موظفي الوزارة)"...
سيكولوجية الانصياع
حول دور التقارير السيادية وتغير عقيدة الاختيار يوضح الجلاد أن الانصياع في عهد ناصر كان ناتجا عن "إيمان بالمشروع"، أما الآن فالمعيار هو القدرة على التنفيذ الصامت: قديما كان التوافق الأيديولوجي مع الزعيم هو المعيار.. لذا كان الوزير (ثقيلا) بمشروعه.. الآن، لا يشترط أن يكون الوزير سياسيا.. بل يبحث عن (المنفذ الجيد) الذي لا يتجاوز حدود تسيير العمل اليومي.. أما تقارير الأجهزة السيادية فهي تظل (الكلمة الفصل) والمؤثرة لدى متخذ القرار.. لأنها تملك ملفات لا تظهر على السطح، والدولة ترى في هذه التقارير ضمانة أساسية قبل منح المناصب الرفيعة..
مطبخ الحكومة.. "رايحة جاية"!!
يكشف الجلاد عن كواليس صناعة القائمة الوزارية الأخيرة، نافيا أن يكون رئيس الوزراء مجرد متلق للتعليمات بل هو طرف في معادلة معقدة: معلوماتي أن الدكتور مصطفى مدبولي هو من رشح بعض الأسماء في التشكيل الأخير.. لكنها ليست قائمة نهائية يضعها وحده.. هناك توازنات ومواءمات.. بعض المقاعد ترشحها المؤسسات السيادية، وبعضها يطرحه رئيس الوزراء.. وقد يتدخل رأس السلطة التنفيذية بوجهة نظر مختلفة.. المسألة تشهد مناقشات وأحيانا (أزمات تحتية) واختلافا في وجهات النظر حول الأسماء، لكن الجميع يدرك في النهاية مقام رئاسة الدولة في حسم القرار..
لغز "الوزير المرتعش"..
وعن مصطلحه الشهير "الوزير المرتعش".. يغوص الجلاد في جذور الشخصية المصرية ليؤكد أن الأمر أعمق من مجرد "تعليمات أمنية": الارتعاش ليس حكرا على مرحلة بعينها، بل هو (ميراث طويل) من الدولة العميقة التي تعطي نموذجا للحاكم الفرد منذ فجر التاريخ... سلطة وقدسية من يجلس على كرسي الحكم مرعبة لأي وزير .. الوزير اليوم لا يملك اتخاذ قرار استراتيجي يؤثر على الدولة دون (إشارة خضراء).. وهذا الخوف هو جينات متوارثة، إلا لمن كان (زاهدا) بطبعه مثل منصور عيسوي، أو (مقربا) من القيادة مثل سيد مرعي مع السادات"...
ويفسر الجلاد عزوف القامات الكبرى عن قبول الوزارة بثلاثة أسباب رئيسية، أخطرها "تجريد المنصب من هيبته": الكثير من الشخصيات قالت لي بوضوح (لا أريد أن أكون منفذا يؤمر وينهى، أنا عندي وجهة نظر)... المنصب فقد الكثير من قوته وقدره خلال العقود الأخيرة، وتحديدا منذ منتصف فترة مبارك.. الوزير (رجل الدولة) الذي يتمتع بكاريزما وثقافة وخلفية سياسية وبرلمانية قوية تراجع لصالح تكنوقراط يفتقدون للوعي السياسي، حتى أصبحنا نرى وزراء يأتون ويرحلون دون أن يعرف الشارع أسماءهم"...
"الهندسة السياسية".. وتجريف البدائل
في ختام حديثه، يربط الجلاد بين ضعف الوزراء وغياب الحياة السياسية.. واصفا ما يحدث بـ "الهندسة السياسية": مصر تفتقد (الوزير السياسي) لأنها تعاني من جفاف سياسي وجيوب معارضة مصطنعة.. البرلمانات السابقة رغم تبعيتها للدولة، كانت تضم أصواتا معارضة ثقيلة تزعج الأغلبية وتفرز كوادر حقيقية.. الآن، كل شيء (مهندَس)، لذا لا نجد أمثال البدري فرغلي أو أبو العز الحريري أو ممتاز نصار النائب المعارض الفذ.. غياب المعارضة الحقيقية والعمل الحزبي النشط هو ما جعل الدولة لا تجد بديلا سوى الاعتماد على الخلفيات التنفيذية الجافة"..
يؤكد مجدي الجلاد أن "غرفة صناعة الوزير" انتقلت من مرحلة "بناء المشروع" إلى مرحلة "إدارة التنفيذ"، وأن أزمة مصر ليست في "ندرة الكفاءات"، بل في "نظام اختيار" يفضل (المنفذ المطيع) على (السياسي المبتكر)، تحت وطأة تاريخ طويل من مركزية السلطة التي لا تسمح بوجود "رأس ثان" بجوار رأس الدولة..

(مدحت الزاهد: ولاء أمني على حساب الكفاءة)
في قراءة مغايرة للمشهد السياسي المصري، يضع مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، النقاط على الحروف فيما يخص آليات تشكيل الحكومات المتعاقبة.. يرى الزاهد أن الأزمة ليست في "الوجوه" بل في "الفلسفة"، حيث تحول منصب الوزير من "رجل رؤية وسياسة" إلى "منفذ للتعليمات"، وسط غياب تام للتعددية وسيطرة لمعايير الولاء الأمني على حساب الكفاءة الفنية والسياسية...
ينتقد الزاهد بشدة تحول الوزراء إلى ما يشبه "السكرتارية"، مؤكداً أن المعيار الأول أصبح "أهل الثقة" لا "أهل الخبرة".. "لقد وصلنا إلى مرحلة يتباهى فيها الوزير بأنه لا يفقه في السياسة شيئاً، وكأن العمل الحزبي تهمة، بينما الحقيقة أن الوزير دون رؤية سياسية هو مجرد موظف إجرائي . الوزير ليس مطلوباً منه أن يكون جراحاً ليدير وزارة الصحة، بل أن يدرك أن الصحة حق للمواطن وليست قطاعاً ربحياً، وأن توسيع مظلة التأمين الصحي أهم من أرقام الأرباح والخصخصة...
الفلترة الأمنية وتجريف الكفاءات
حول دور الأجهزة في اختيار التشكيل الوزاري، يرى الزاهد أن الاعتماد المفرط على التقارير الأمنية أدى لنتائج عكسية..
"الاختيار القائم على تقارير الأجهزة الأمنية يبحث دائماً عن 'المهذبين' الذين لا يملكون صوتاً معارضاً أو رأياً مستقلاً.. والنتيجة؟ نظام مغلق يشجع على السمع والطاعة لا بلورة البدائل.. بل والمفارقة أن هذه الفلترة الأمنية فشلت أحياناً في كشف فساد أو تزوير شهادات لبعض المسؤولين، لأن التركيز كان على 'الموالاة' لا 'النزاهة والقدرة."
غياب الرقابة وتحول البرلمان لـ "محلل تشريعي"
وعن دور مجلس النواب في منح الثقة، يصفه الزاهد بالشكلاني: "في ظل النظام الحصري.. يتراجع الدور الرقابي للبرلمان لصالح الدور التشريعي المساند للحكومة.. لا نرى استجوابات حقيقية أو سحب ثقة.. بل نرى برلماناً يمرر تشريعات وقوانين إجرائية جنائية، أحياناً ما تكون ضد مصلحة المواطن، ويتنازل عن سلطته في رقابة القروض والمعاهدات الدولية.."
ينتقل الزاهد إلى الملف الاقتصادي، محذراً من سياسات الاقتراض وبيع الأصول: "ما يحدث ليس إصلاحاً بل تصفية لمقدرات الدولة.. بيع الأصول الإنتاجية والتلويح ببيع أصول استراتيجية كقناة السويس هو رهن للإرادة الوطنية.. نحن نبيع مصانع بنيت بدم الشعب برخص التراب، ونفتح الباب لمؤسسات التمويل الدولية لتساهم في صنع قرارنا الداخلي عبر 'مستعمرات اقتصادية' تحت مسمى الاستثمار.."
تراكم الغضب ومخاطر الانفجار..
يختتم الزاهد رؤيته بتحذير شديد اللهجة من مآلات سد منافذ التعبير.. "نحن نعيش حالة توتر اجتماعي مكتوم، والبديل عن التعددية والحوار هو الانفجار.. عندما تهدر الموارد في مشاريع ليست ذات أولوية مثل 'المونوريل' أو العاصمة الإدارية على حساب التعليم والصحة، ويحاصر الناس بالرسوم والضرائب، يتراكم مخزون غضب لا يمكن التنبؤ بلحظة انفجاره.. الاستقرار الحقيقي يتطلب تغيير 'السياسات' لا مجرد 'الأشخاص"..
تظل رؤية الزاهد بمثابة جرس إنذار، تضع الحكومة أمام تساؤلات مشروعة: هل يمكن لدولة أن تنهض بجهاز إداري يفرغ المنصب الوزاري من محتواه السياسي؟ وهل يتحمل الواقع الاجتماعي مزيداً من سياسات "الجباية" في مقابل تراجع الخدمات الأساسية؟

(نجاد البرعي: أدوار شكلية)
يقول نجاد البرعي.. المحامي والمتخصص في القضايا الدستورية حول آليات اختيار الوزراء وطبيعة النظام السياسي:
من الناحية الدستورية، يمتلك رئيس الجمهورية في مصر حق اختيار رئيس مجلس الوزراء، بينما يقوم رئيس مجلس الوزراء عمليا بانتقاء الوزراء ثم يطرح التشكيل على الرئيس للتشاور والموافقة.. إذا أقر الرئيس التشكيل، يرسل إلى البرلمان لمنح الثقة... وفي حال الاعتراض، يعاد التشكيل مرة أخرى مع رئيس وزراء آخر، وتتكرر الدورة نفسها حتى يتم التوافق....
وعن الفجوة بين النص الدستوري والواقع العملي في تشكيل الحكومة، يرى البرعي أنه “من ناحية الشكل، لا. فالرئيس يختار.
مثال على ذلك مصطفى مدبولي، كرئيس للوزارة عرض عليه التشكيل، تشاوروا فيه، اتفقوا عليه، وأرسلوا للبرلمان الذي وافق عليه تماما”..
وبخصوص دور البرلمان في منح الثقة للوزارة، يقول البرعي: “البرلمان ميقدرش يعمل دور رقابي حقيقي، يقدر يعمل دور شكلي فقط.. يوافق على التشكيل ويوافق على القوانين المقدمة من الحكومة.. الشكل مضبوط وموجود، لكن المضمون واضح ومفهوم”...
البرلمان ليس صوت الشعب!
وعن الشفافية في عملية ترشيح الوزراء، يشير البرعي إلى أن الأمر يخضع للبرلمان المفترض أن يكون منصة للمناقشة الحقيقية، ويضيف: “البرلمان صوت الشعب، والمفروض يكون لديه الشفافية، لكنه عمليا ليس كذلك”...
وحول وجود معايير غير مكتوبة كالأمنية أو السياسية، يؤكد البرعي: “أنا ما عرفش أيه معايير اختيار، أحترم أي معايير أمنية إذا وجدت، لكن من وجهة نظري لا توجد معايير حقيقية مطبقة”...
وعن معايير إقالة الوزراء، أوضح البرعي: “يمكن للبرلمان القيام باستجواب يؤدي إلى استقالة الوزير، أو يمكن للوزير التقدم باستقالته، أو يطلب رئيس الوزراء الإقالة، فيمشي”..
وفي سياق تطوير آلية تشكيل الحكومات منذ دستور 1971 وحتى دستور 2014، يرى البرعي أن السلطة التنفيذية كانت دائما قوية، سواء في عهد الملك أو بعد الثورة، مضيفا أن البرلمان لم يكن له كلمة عليا في مصر، وأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يحدث عبر تعديل جزء من النظام فقط، بل يتطلب تعديل طريقة عمل النظام كله كمجموعة مترابطة...
وعن دور الأحزاب في تعديل معادلة اختيار الوزراء، يرى البرعي أن النظام السياسي “مترتب على بعضه مثل بازل، لا يمكنك تحسين جزء لتغيير الصورة، يجب تغيير طريقة عمل النظام كله”... ويؤكد أن تعزيز دور الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني وحده لا يكفي في ظل قبضة أمنية قوية وإعلام مقيد وقضاء غير قادر على الفعل.
يضيف البرعي، متحدثا عن تاريخ النظام السياسي: “حتى قبل ثورة 23 يوليو، السلطة التنفيذية كانت هي القوية، الملك هو نفسه بقى رئيس الدولة لاحقا، سواء عبد الناصر أو السادات أو مبارك أو السيسي... القصر كان ينشئ أحزابا لضمان السيطرة على البرلمانات.. المشهد العام ثابت، الصحافة محكومة منذ القدم، والحرية محدودة، والحكومة تتحرك حسب ما يقرر السلطة التنفيذية”...
وعن طبيعة النظام الحالي، يؤكد نجاد البرعي: “نحن في نظام سياسي واضح.. النظام واضح قواعده وطريقة شغله، مش مغلق، لا يفعل شيئا في السر، و هذا نظام سياسي صادق لأنه يقول ما يفعله علنا.. وأصدق نظام سياسي لأنه ينفذ ما يعلنه”..
****
وعلى الجانب الآخر، تصر الدوائر الرسمية في تصريحاتها المتكررة على أن معايير اختيار الوزراء تخضع لتقييمات دقيقة ومعايير احترافية في الإدارة.. مؤكدة أن "الكفاءة" والقدرة على "الإنجاز السريع" هي المحرك الأول للتشكيلات الحكومية، بعيدا عن أي حسابات أخرى.. بهدف التعامل مع التحديات الراهنة وتلبية احتياجات المواطنين...
خاتمة
في نهاية المطاف.. يبدو أن غرفة صناعة الوزراء في مصر لم تعد معنية بتقديم حلول بقدر ما هي معنية بضمان الولاء المطلق.. فبينما يرى مدحت الزاهد أننا أمام "سكرتارية تنفيذية" تفتقر للرؤية السياسية، ويجزم كمال أبو عيطة بمرارة أننا نستبدل الكفاءات بـ "جثث" تنتظر الأوامر، يغوص مجدي الجلاد في عمق الأزمة كاشفا عن "ميراث الخوف" الذي حول الوزير إلى "كبير موظفين" يسكنه رعب تاريخي من اتخاذ قرار استراتيجي دون "إشارة خضراء"...
ويأتي تحليل نجاد البرعي ليضعنا أمام الحقيقة الأكثر واقعية.. أننا أمام نظام صادق في وضوحه، لا يدعي ما لا يفعل.. بل يمارس سلطته التنفيذية كقوة مهيمنة تاريخيا على البرلمان والأحزاب.. في مشهد يراه البرعي ثابتا لم يتغير منذ عهد الملكية وحتى اليوم..
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه علينا جميعا.. إلى متى يمكن لسياسة "اكتب ما يملى عليك" أن تصمد أمام أزمات اقتصادية طاحنة تنهش في أجساد الأغلبية؟ وهل تدرك السلطة أن تجريف السياسة لصالح الامن.. وتحويل الوزارات إلى مكاتب تنفيذية هو في الحقيقة عملية تفكيك للدولة من الداخل قبل أن يكون تهميشا للمعارضة؟
التاريخ المصري القريب والبعيد يخبرنا أن "الانسداد السياسي" وتجاهل أنين الشارع لم يؤديا يوما إلى استقرار مستدام.. بل كانا دائما التمهيد لـ "زلزال" لا أحد يعرف توقيته... الأزمة ليست في أسماء ترحل وأسماء تأتي.. الأزمة في عقيدة الاختيار التي ما زالت ترى في أهل الخبرة "عبئا" وفي أهل الثقة "ملاذا"...
لقد كشف لنا هذا التحقيق أن الطريق إلى "غرفة القرار" لا يمر عبر صناديق الاقتراع أو معامل الأبحاث.. بل عبر ممرات أمنية ضيقة.. فهل ننتظر حتى يحدث الانفجار لندرك أن الدولة القوية لا تبنى بـ المنفذين المطيعين الذين يسمعون الكلام، بل بـ المستقلين الذين يملكون جرأة قول: "لا.. هذا القرار يضر بمصلحة الشعب؟"!
----------------------------------
تحقيق – مادونا شوقي
من المشهد الأسبوعية





